المقريزي
254
المقفى الكبير
لقبح أفعاله التي لا تليق بالحكّام ، وجرأته عليهم . فإنّه كان إذا جلس بدار العدل يأخذ المجلس بحديثه مع السلطان بالتركيّ ، وينكّت على القضاة ويضع منهم . وإذا تخاصم إليه رجل وامرأته ، قام في نصرة المرأة . وتصدر منه مع ذلك [ 470 ب ] قبائح ، منها أنّ امرأة دخل بها أبوها إليه فادّعت على زوجها بمبلغ صداقها وكسوتها ، فإذا منجّم « 1 » صداقها في كلّ سنة دينار . فأمرها بكشف وجهها فكشفت عن صورة جميلة ، فقال لأبيها : يا مدمّغ « 2 » ، مثل هذه تزوّجها بدينار كلّ سنة ؟ واللّه يا مدمّغ يسوي مبيتها كلّ ليلة مائة درهم ! - ثمّ قال لزوجها : يا نحس ، تستغلي أن تكون هذي بهذا القدر ؟ واللّه أنت أدمغ من أبيها ! وكان يكثر من السخف ، بحيث إنّه قال للأمير قوصون بحضرة الأمراء إنّه ، وهو محتسب ببغداد ، وقف على دكّان حلوانيّ قد عمل من دبس القسب سياطة بيضاء وأخبره أنّه قصّرها بالبيض « 3 » ، فقال له : ويلك ! مجنون أنت ! أنا عندي جارية سوداء لي عشر سنين أقصّرها بالبيض ما ابيضّت ! وادّعت عنده امرأة على زوجها بحقّ وجب فيه حبسه ، فأمر بحبسه . فقال الرجل : وتكون امرأتي في سجن البغداديّة حتى أحصّل ما لها عليّ ؟ فقال القاضي : أنت مجنون ! أنا أحقّ من البغداديّة ! - وأشار لنقيبه فأطلعها إلى طبقة في دار القاضي ، فأقامت عنده أشهرا . وكانت المحاكمة عنده بين الخصمين تقيم مدّة لكثرة عيّه وتلبيكه « 4 » الأمور . ودعي مرّة إلى عقد نكاح بعض أولاد الأمراء ، فدخل هو والقضاة الثلاث [ ة ] ، وقد بسط البيت بالحرير المزركش . فتجنّب القضاة الجلوس على ذلك ، إلّا هو ، فإنّه جلس عليه وقال : يا جماعة الجند ! انظروا فعل هؤلاء : يتركو [ ن ] الجلوس على هذا الحرير ! وأقسم باللّه العظيم لو قدروا عليه لباعوه وأكلوا ثمنه ! فضحك الحاضرون ، واشتدّ ذلك على القضاة . وكان يعاقب في مجلس حكمه بالضرب ، وله أخبار قبيحة جدّا . فلمّا تهيّأت المحاضر عليه قصدوا إراقة دمه ، فقام الأمير طشتمر حمّص أخضر نائب السلطنة في حقّه ، حتى حكم الشيخ تقيّ الدين السبكي بسفره من أرض مصر ، فأخرج في [ . . . ] سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة . واستقرّ عوضه في قضاء القضاة الحنفيّة زين الدين عمر بن عبد الرحمن البسطاميّ . 1216 - الحسن ابن الجرّاح الكاتب [ 209 - 269 ] « 5 » [ 518 أ ] الحسن بن مخلد بن الجرّاح ، أبو محمد ، الكاتب ، الوزير ، البغداديّ . [ تنقّله في الوزارة ببغداد ] أصله من دير قنّى . ولد في سنة تسع ومائتين . وخدم في دور الخلفاء بالكتابة وتنقّل في الرتب [ . . . ] والنفقات . [ و ] تقلّد ديوان الضّياع بعد
--> ( 1 ) منجّم صداقها ، أيّ أنّ الزوج يدفع إليها صداقها منجّما في أقساط معلومة . ( 2 ) المدمّغ والمدموغ : مخلوط العقل أيضا . ( 3 ) القصّة في السلوك 2 / 611 أكثر وضوحا . والقسب تمر يابس ، والتقصير للثوب والصوف تنظيفه وتبييضه ، والسياطة لم نعرفها . ( 4 ) لبّك الأمر : خلطه ، وفي السلوك أمثلة أخرى من سوء تصرّف هذا القاضي في أحكامه . ( 5 ) الأعلام 2 / 237 ، الوافي 12 / 267 ( 239 ) ، الفخري 251 ، النجوم 3 / 37 ، 45 ، دائرة المعارف الإسلاميّة 3 / 883 .